فيليكس يقود انقلاباً ساحراً.. النصر يسحق الدرعية برباعية ويطوي صفحة كأس الملك بثقة

بقلم: د. طلال عثمان

في الدقيقة الثانية فقط، بدا الأمر وكأنه أحد تلك الأمسيات التي تُصمَّم خصيصاً لتذكير الأندية الكبرى بأن كأس الملك لا يعترف بالأسماء. كرة عرضية منخفضة من الجهة اليمنى، ولمسة هادئة من أوسكار رودريجيز، وفجأة وجد النصر نفسه خلف نتيجة لم يكن يتوقعها أحد من جماهيره التي ملأت المدرجات بثقة اعتادت عليها في السنوات الأخيرة. لكن ما بين تلك الصدمة المبكرة والصافرة الأخيرة، قدّم الفريق درساً في كيفية تحويل الاضطراب إلى سيطرة، والقلق إلى احتفال، لينتهي اللقاء 4-1 ويحجز مقعده في دور الستة عشر بثقة لا تقبل الجدل.

كان لافتاً أن هذا الانتصار الكبير جاء رغم غياب عدد من الأسماء المؤثرة عن قائمة النصر، بين مصاب وموقوف، وعلى رأسهم سعد الناصر ومحمد مران وراغد النجار وعبدالرحمن غريب، فضلاً عن راحة متفَّق عليها مسبقاً حصل عليها كريستيانو رونالدو مع مدربه الجديد أنجي بوستيكوغلو. غياب كل هذه الأسماء دفعات كان من الممكن أن يُربك أي فريق آخر، لكنه بدا بمثابة الفرصة المثالية لنجم آخر كي يترك بصمته الخاصة في مساء لن ينساه سريعاً.

سيماكان يعيد التوازن.. وفيليكس يفرض القانون

لم يستغرق النصر طويلاً ليرد. فبعد تسع دقائق فقط من الصدمة، وجد محمد سيماكان نفسه في المكان المناسب داخل منطقة الجزاء، ليضع لمسة بكعبه في لحظة أقرب إلى الفن منها إلى العفوية، مستفيداً من تمريرة دقيقة أطلقها جواو فيليكس. كانت تلك اللمسة أشبه بإعلان نوايا: النصر لن يسمح لهفوة الدقائق الأولى بأن تتحول إلى أزمة.

ومنذ تلك اللحظة، تغيّر إيقاع المباراة بالكامل. استعاد النصر خيوط اللعب، وبدأ فيليكس – الذي بات أحد أبرز الوافدين على الدوري السعودي هذا الموسم بعد قدومه من تشيلسي – يفرض حضوره في كل زاوية من الملعب. في الدقيقة 36 استقبل عرضية من أنجيلو ليضعها بتسديدة مباشرة وسريعة في الشباك، قبل أن تأتي الهدية الثالثة بعد أقل من دقيقة، حين ارتدت الكرة من دفاع الدرعية المرتبك لتصل إلى عبدالله الحمدان الذي لم يتردد في مواجهة الحارس منفرداً ووضعها بهدوء داخل المرمى.

بحلول الاستراحة، كانت النتيجة 3-1، لكن الأرقام وحدها لم تكن كافية لوصف الفارق الحقيقي بين الفريقين على أرض الملعب. النصر لم يعد يلاحق النتيجة، بل كان يملي شروطه بثقة فريق يعرف حجم موارده وقدرته على الحسم في أي لحظة يختارها.

توقيعة فيليكس الثانية تُنهي أي جدل

الشوط الثاني لم يحمل الكثير من المفاجآت، لكنه حمل تأكيداً إضافياً على أن هذه كانت أمسية جواو فيليكس بامتياز. في الدقيقة 68، وبعد تمريرة ذكية من نواف بوشل، تلقى النجم البرتغالي الكرة داخل منطقة الجزاء وأطلق تسديدة أرضية قوية ومنخفضة استقرت في الشباك، ليسجل هدفه الشخصي الثاني ورابع فريقه، ويضع بصمته الكاملة على مباراة بدأت بصدمة وانتهت باحتفال.

كان أداء فيليكس أشبه بملخّص لما ينتظره جمهور النصر منه هذا الموسم: حضور بين الخطوط، قدرة على صناعة الفارق في التمريرة الأخيرة، وبرودة أعصاب أمام المرمى حين تحين اللحظة المناسبة. رقم الهدفين وصناعة هدف إضافي في مباراة واحدة ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً على لاعب يبدو أنه وجد أخيراً بيئته المثالية بعيداً عن ضغوط الدوري الإنجليزي.

ما وراء النتيجة

الأهم من رقم 4-1 نفسه، هو الطريقة التي تعامل بها النصر مع الأزمة. فريق يخسر هدفاً في الدقيقة الثانية أمام خصم أقل حظوظاً على الورق يمكن أن يسير في أحد اتجاهين: الارتباك أو الحسم. واختار لاعبو بوستيكوغلو الاتجاه الثاني بوضوح، في إشارة مبكرة إلى فلسفة المدرب الأسترالي الجديد التي تقوم على الهجوم المستمر بدل التمركز الدفاعي حتى في اللحظات الصعبة.

كأس الملك، بصيغته الإقصائية القاسية، لا يمنح مساحة كبيرة للأخطاء، وهذا ما يجعل رد فعل النصر أكثر دلالة. فريق قادر على تعويض غياب نجمه الأكبر، والتغلب على بداية سيئة، وحسم المباراة بفارق ثلاثة أهداف كاملة، يبعث برسالة واضحة لبقية المتنافسين على اللقب: النصر ما زال أحد أبرز المرشحين لحصد الكأس هذا الموسم، بصرف النظر عمن يقف على أرض الملعب في التشكيلة الأساسية.

الآن، وبعد بلوغ دور الستة عشر، يترقب الفريق قرعة الدور المقبل وهو يحمل في جعبته نتيجة مقنعة، وأداءً لافتاً من فيليكس قد يتحول تدريجياً إلى أحد أهم أسلحة العالمي هذا الموسم.